ابن عطاء الله السكندري
95
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
تقدمهما من حيث توقفه عليهما ، فجيء بهما بعده ، ليكون الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى . ولما كان العلم أساس الأخلاق قدمت آيته على آيتها تقديم الأصل على الفرع . آية العلم : المفردات والتراكيب : ( القفو ) : اتباع الأثر ، تقول : قفوته أقفوه ، إذا : اتبعت أثره ، والمتبع لأثر شخص موال في سيره لناحية قفاه ؛ فهو يتبعه دون علم بوجهة ذهابه ، ولا نهاية سيره . فالقفو : اتباع عن غير علم ، فهو أخص من مطلق الاتباع ، ولذلك اختبرت مادته هنا . ولكونه اتباعا بغير علم ، جاء في كلام العرب بمعنى قول الباطل : قال جرير : وطال حذارى غربة البين والنوى * وأحدوثة من كاشح يتقوف « 1 » ( والعلم ) : إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة ، سواء أكانت تلك البينة حسا ومشاهدة ، أو كانت برهانا عقليا ؛ كدلالة الأثر على المؤثر ، والصنعة على الصانع . فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن ، هذا هو الأصل . ويطلق العلم أيضا على ما يكاد يقارب الجزم ، ويضعف فيه احتمال النقيض جدا ، كما قال تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام : ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ( 81 ) [ يوسف : 81 ] ، فسمى القرآن إدراكهم - لما شهدوا - علما ؛ لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال ، وإن كان ثم احتمال خلافه في الباطن ، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه . السمع : ( والسمع ) : القوة التي تدرك بها الأصوات بآلة الأذن . البصر : ( والبصر ) : القوة التي تدرك بها الأشخاص والألوان بآلة العين ، وقدم السمع على البصر ، لأن به إدراك العلوم ، وتعلم النطق ، فلا يقرأ ، ولا يكتب إلا من كان ذا سمع وقتا من حياته . الفؤاد : ( والفؤاد ) : القلب ، والمراد به هنا العقل من حيث اعتقاده لشيء ما .
--> ( 1 ) في ديوان جرير ( 374 ) .